Monday, 11 November 2013

حنين


كادت الشمس أن تدرك مغربها. ألقى أمين نظرة في ساعته اليدويّة ثمّ عدّل من هندامه. قد آن له أن يؤمّ المسجد لعلّه يدرك صلاة المغرب. قام من مجلسه، رفع صديقاه نحوه عيونا تتساءل، فقال أمين:
- قد حان وقت المغرب، هلاّ جئتما؟
أجابه ضياء:
- لازلت على الإسلام! سوف أؤدّيها لاحقا إن شاء الله.
أومأ نبيل مصدّقا وهو يشير إلى ضياء وقال:
- أنا كذاك!
قال أمين مشفقا:
- هداني الله وإيّاكما..
ثمّ انطلق يشقّ أمواج البشر التي بدأت في التدفّق على حين غرّة مع انقضاء اليوم. لم يرفع بصره وحثّ الخطى نحو الباب حتّى إذا أدركه تنفّس الصعداء فنظر نحو الأفق متسائلا عمّا حمله إلى هذا المكان.
الجميع تقريبا يتنقّل في السيّارات في هذا الحيّ الذي يسع عشرات الآلاف من البشر، أمّا أمين فكانت رحلته سعيا على القدمين. المقاهي والمطاعم عن يمينه وعن شماله تغصّ بالقاعدين. إذا كان هذا حال مجالس اللهو والأكل وهي قبالته أينما ألقى بصره، فما باله بحال المسجد الوحيد في هذا الحيّ وهو واحد..

***

كانا يمشيان في الشارع قبل الغروب بقليل وقد أمسكت يده مخافة إفتراقهما.. أثار تجاهرهما بالحديث فضول السيّارة، فهذا مبتسم منشرح الصدر وذاك متجاهل غليظ القلب..
قالت في مرح وهي تحثّ السير:
- أنت أذكى وأوسم وأقوى رجل أعرفه.
نظر نحوها متسائلا:
- أتحبّينني؟
فأجابته دون تردّد:
- طبعا أنا أحبّك!
فضحك جذلا ولم يعقّب.

***

كانت تلك الذكرى ولازالت كنزا عظيما في بساطته يشقّ عليه أن يتركه. اعتاد إعادتها مرارا وتكرارا في ذهنه لئلاّ ينساها. استحضرها فهمس:
- أنا كذلك أحبّك...

***

يومئذ لم يكن أمين ابن الأربع سنوات وشقيقته التي تكبره بسبع سنوات يعبأن حقّا بمن في الشارع، وذاك لعمر الله ديدن الصبيان.. إنّهم أشدّ تطرّفا من ديوجينيس ووليام غودوِن مجتمعيْن، تراهم يركضون في كلّ مكان ولا يحفظون سرّا، يجهرون بما يخطر ببالهم، ويذوق آباؤهم وبال أعمالهم.. ثمّ تغيّرهم مناهج التعليم وعصا المعلّم.. والعصيّ كما علّمته الأيّام، نوعان، أوّلهما تلك التي تُرى أحجامها وتُسمع قسوة طرطقتها عندما تنهال على الأيادي الغضّة.. وثانيهما تلك العصيّ التي لا تُرى رأي العين لكن يصاحبه ألم ضربة منها أيّاما وشهورا، فهذه عصا أستاذه في الكليّة، وتلك عصا أربابه في العمل، وفي كلّ مكان عصيّ أصحاب الكراسيّ الخشبيّة النخرة، كلّها تنهال عليه إذلالا، تذكرة له بخضوعه قسرا لسلطة مشوّهة تنتقم ممّن يعاديها..

***

أضاف أمين متأثّرا:
- رحمك الله أختاه...
انقبضت نفسه وتجمّعت العبرات في مقلتيه منذرة بالتساقط فضمّ شفتيه وابتلع ريقه. كسا العالم حوله غشاوة فارتبك خشية أن يفيض دمعه في الطريق.. لو كان أنثى لترك لهما الحبل على الغارب، وربما كان هذا الموقف -فتاة تبكي في الشارع-، ربما كان على غرابته مقبولا في ناموس هذا المجتمع المتهافت.. لكنّه رجل وهذا المجتمع المتأمّر لا يغفر للرجل أن يتجمّع دمع في عينيه.. له أن يرتكب بعض الموبقات التي يسمح له بها العرف الجاري، بل قد يعتبر أصحاب ذلك العرف إقترافها أمارة فحولة، فيعاقب مرتكبتها أشدّ العقاب. ينكرون عليه الإستقامة، كذلك ينكرون عليه الدمع وهو نفيس.. هو إمّا لحزن كبير لا تقدر الصدور على إحتوائه وإمّا لقهر شديد لا يكاد يجد له سلوى. وفي حالات أخرى، هو غبار ثائر دخل عينه..
ودّ لو ناجاها وأعلن لها ما أسرّ في نفسه، ودّ لو قام تجاهها بما كفّ يده عنه تسويفا أو تظاهرا بخشونة الرجال.. إنّ المرء لا يعلم قدر وجود أحبّته وقدرته على الوصول إليهم حتّى يغيبوا عنه بلا رجعة، فيندم على كلّ ساعة جافاهم فيها.
كذلك صالح الأعمال..
أدرك المسجد.
سجد بين يدي الله فدعا لها ولنفسه.

يتبع

---
Footnote:

The image posted herein is copyrighted to its respective owners.

7 comments:

Primavera said...

Niice, j'ai beaucoup aimé ta façon de parler des larmes de l'Homme, merci :)

Deceazed Fella said...

بعض الدراما من حين إلى آخر ما تضرّش =p

شكرا على القراءة والتعليق ومرحبا بيك مجدّدا في المدوّنة ^^

Lili said...

émouvant :)
contente de te revoir Tatachi ! :)

Deceazed Fella said...

شكرا
سعيد بمرورك ^^

Khaoula said...

حاجة هايلة
أبدعت =D

Deceazed Fella said...

بارك الله فيك على التشجيع ^^

شركة ضي الرحمن said...

شركة نقل عفش بالدمام

Post a Comment