Sunday, 4 March 2012

حفل زفاف



نظر، ثم عبس و بسر ثمّ أتى نحوي بتؤدة و دون أن ينبس ببنت شفة راح يحاول برفق مصطنع أن ينتزعني من مقعدي فلم أستجب له في عناد صامت.. رفع عينيه من فوق كتفي فأعترضت سبيلهما عينا الشاب الجالس خلفي مُسائلتين باصرار.. ابتسم مداهنة ثمّ قال :
- أرغب في هذا المقعد
- أتركه في حاله جالسا، أجابه الشابّ عاذلا.. ثمّ استطرد و هو يشير إلى يميني :
- لك أن تأخذ ذاك المقعد الشاغر على شمالك
لم يجب الرّجل و أدبر خائبا..

لم ألتفت لأرى الصّوت الذي نطق باسمي لكنّي كنت علمت فيما علمت ما جمعني به و ما فرّقني عنه و عنهم.. فأمّا الأولى فكنّا زوجين يتيمين يرتديان سراويل الدجينز و سترات عاديّة وسط جحافل من ربطات العنق و التنورات القصيرة.. و أما الثانية فكنت مصابا بمتلازمة داون و ربّما اعتقد الرّجل العبوس أنّي مختلّ فأتى يأخذ منّي حقّي غصبا و يبعدني عن الواجهة لئلاّ يتلطّخ شرف العائلة الموسّعة بمنظر أمثالي..
بدا لي أنّ صاحبي لم يكن يعرف ممّن لمّ الحفل جمعهم من بشر سوى العروس و آلها، فجلس و جلستُ إلى طاولة أربعة من الشباب تبيّن لي فيما بلغ مسامعي من لَغْوهم أنّهم أصحاب العريس..

تعالت عقيرة أحدهم بالغناء
"خالي بدّلني و آش عليكم فيه آش عليكم فيه"
عاد الرّجل المغتصب.. فتح سترتي متظاهرا بمعرفتي و القرابة منّي و هو البعيد، ثمّ حملني من ذراعي بشدّة فوجدتُني واقفا.. هذه المرّة، استدرت إلى من ذاد عنّي، نظرت نحوه مستجيرا، تفتّح ثغره عن ابتسامة شاحبة كأنّما حُمّل ما لا طاقة له به و التمعت في عينه دمعة حزن على مظلوم غُلب على نصرته..
جرّني الرّجل نحو مقعد خلفيّ و خبّأني عن الأنظار وراء صاحبي..
"هو يُغضب و أنا نرضّيه"
فالتفت الشابّ نحوي بعينين تطلبان الصّفح عن خذلانه إيّاي..

تلوّت الألسن في أفواه أصحاب العريس فقال أحدهم متهكّما و هو يقصدني :
- يبدو أنّهم لم يشاؤوا تركه في المنزل يعيث فيه عبثا فأتوا به متفرّجا
فضحك الفتية ملء أشداقهم..
و تلوّت الأجساد أمام العروسين رقصا فلم يجد الشاب أمامه رقعة أرض سليمة يوجّه نحوها بصره فنزع ما حال دونه و دون أمره ذاك، و طفق ينظر بعينين خاويتين نحو أشكال مبهمة لا يدري كنهها..
لا أعلم ما أتى بك أيْ صاحبي و أنت ما أنت عليه.. إن كان لهوا فأنت مُعرض عنه، و إن كانت مجاملة فقد ظلمت ما استُؤمنت عليها..

تواصل العبث لساعتين و صاحبي على حاله تلك حتّى صدح صوت مغنّ بالتّعليلة فقام القوم مُنْتشين مُنْتشرين.. لم أقم و ما بيدي حيلة فأنا لا أذهب و يُذهب بي، فقال صاحب العريس :
- و يبدو لي أنّهم نسوه حتّى
ضحك الأربعة ثمّ قاموا متمايلين في زهو و بطر..
أمّا صاحبي فقد رمقهم في غضب متبرّأ ممّا عملت أيديهم..
و أمّا أنا.. فقد شكوتهم في سرّي لمن هو أقدر منه و منهم..

---
Footnote:

The image posted herein is copyrighted to its respective owners.

14 comments:

Chimère said...

الاسلوب رائع، كتاباتك بالعربي احسن منها بالانقليزية :) فواصل اتحافنا

مجتمع سطحي و منافق

ملاحظة اخيرة : مصابي متلازمة داون "خللهم" الوحيد انو عندهم "طيبة" زايدة ( اظن انها تجي مع الكرموزوم الزايد) في مجتمع يحكمه الاقوى و الاشرس، و من يتقنون الرقص على انغام المزود

Deceazed Fella said...

بارك الله فيك

حسب رأيي أكثر ما كتبتُ بالأنجليزية إلى حدّ اليوم كان أقرب إلى السريالية منه إلى الواقعيّة على نقيض ما كتبته بالعربيّة، و لا أدري حقّا سبب ذلك
لكن ما أعلمه هو أنّي في العادة أخطّ باللّغة التي تأتيني أولى الكلمات فيها

أمّا المجتمع فعلله و عقده الجماعيّة و الفرديّة تحتاج لثورة حقيقيّة للتخلّص منها
و أمّا الطّيبة فهي علامة ضعف و وهن في مجتمع لا تزال تسوده شريعة الغاب و ثقافة الرّبوخ

شكرا على القراءة و التّعليق ^^

Chimère said...

و فيك بارك :)

اما هاذي الطيبة ضعف ففلسفة لا اتبناها :) بالعكس اراها قوة و ديجا كلمتك تثبت انها قوة لانو علل و عقد المجتمع هي الضعف و الى ان تقوم الثورة فستبقى الطيبة في قلوب البعض قوة

Primavera said...

al salamou alaykom wa rahmatou Allah

wenti chemhazzek lel 3rousset :p

PS. Niice, ya3tik essa77a :)

Deceazed Fella said...

@شيمار
طبعا لم أقل عكس ما قلتِ
Good and bad, true and false are too far to be mere matters of mass adherence!

@بريما
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

شكون قال مشيت لعرس؟ =D
و أكثر من هكّة شكون قال الأحداث حقيقيّة؟ xD

PS:
ربّي يبارك فيك ^^

Primavera said...

Eh tu insultes mon intelligence ! :D je sais bien que c'est de la fiction (inspirée du réel), je te taquine c tt :p

Deceazed Fella said...

لا حاشاك عاد ^^'
أما بالرسمي حياتي نهر راكد و قليل ما تصير أحداث تستحقّ السّرد في مدوّنة =p

Lili said...

السلام عليكم
قصة مؤثرة ، أسلوب جميل و لغة سَلسة ..
يعطيك الصحة :)
للأسف هي ظاهرة شائعة ( شخصيا أعرف فتاة في مثل سني تعاني من هذا المرض، و طريقة معاملة الناس لها قاسية و مهينة .. )
فقط ملاحظة تعقيبا على تعليق شيمار ( تحياتي يا أختاه :)) و انت زادة بريما ) ، التخلف الذهني كلاسيكي في متلازمة داون ، ( يكفي أن نعرف أن أول سبب للتخلف الذهني في فرنسا هي متلازمة داون )، ربي يعافيهم و يعافينا و ذريتنا !

Deceazed Fella said...

و عليكم السلام و رحمة الله

ربّي يبارك فيك ^^

عنّا في الحومة فتى مصاب بهذا المرض كذلك و وين كنّا صغار نتفكّر كان نجم الحومة و كان يستغلّ في المرض متاعه باش يدبّر راسه و يقضي قضياته مالكبار =D
توّة ولّيت قليل ما نراه
طبعا حكيت هذا باش نقول اللي طرق التعامل مع المصابين تختلف من مكان لآخر
لكن ديما فمّة استخفاف بالمصاب و بعقله، مثلا ساعات يعيّطولوا أولاد الحلال في القهوة باش يعدّيوا عليه وقيّت الخ

نوافقك على أنّه معدّل الذكاء منخفض عند المصابين بمتلازمة داون
و نتفكّر أوّل اسم عرفته للمرض باللغة العربية كان العته المنغولي، و لا أظنّ أنّه اختيار الاسم كان اعتباطيا
على كلّ حال ربّي يرحمهم و يرحمنا و يستر ذرّيتنا مالمرض
آمين

Chimère said...

@ lili :) je sais belle :) mais je pense qu'ils sont d'une gentillesse incomparable ^^

Chimère said...

http://media.tumblr.com/tumblr_ls957rceWT1r072vk.jpg :)

Deceazed Fella said...

+1
^^

Wieem Wiem said...

so nice i like it :)

Deceazed Fella said...

يعطيك الصحّة وئام
المحلّ نوّر ^^

Post a Comment